الجاحظ
221
البيان والتبيين
وقال ابن الأشعث لأصحابه وهو على المنبر قد علمنا إن كنا نعلم وفهمنا أن نفهم أن المؤمن لا يلسع من جحر مرتين وقد والله لسعت بكم من جحر ثلاث مرات وأنا استغفر الله من كل ما خالف الايمان وأعتصم به من كل ما قرب من الكفر وأنا اذكر بعد هذا فنا آخر من كلامه صلى الله عليه وسلم وهو الكلام الذي قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه وجل عن الصنعة ونزه عن التكلف وكان كما قال الله تبارك وتعالى قل يا محمد ( وما أنا من المتكلفين ) فكيف وقد عاب التشديق وجانب أصحاب التقعير واستعمل المبسوط في موضع البسط والمقصور في موضع القصر وهجر الغريب الوحشي ورغب عن الهجين السوقي فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة وشيد بالتأييد ويسر بالتوفيق وهذا الكلام الذي ألقى الله المحبة عليه وغشاه بالقبول وجمع له بين المهابة والحلاوة بين حسن الافهام وقلة عدد الكلام ومع استغنائه عن إعادته وقلة حاجة السامع إلى معاودته لم تسقط له كلمة ولا زلت له قدم ولا بارت له حجة ولم يقم له خصم ولا أفحمه خطيب بل يبذ الخطب الطوال بالكلام القصير ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم ولا يحتج إلا بالصدق ولا يطلب الفلج إلا بالحق ولا يستعين بالخلابة ولا يستعمل المواربة ولا يهمز ولا يلمز ولا يبطئ ولا يعجل ولا يسهب ولا يحصر ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا ولا أصدق لفظا ولا أعدل وزنا ولا أجمل مذهبا ولا أكرم مطلبا ولا أحسن موقعا ولا أسهل مخرجا ولا افصح عن معناه ولا أبين في فحواه من كلامه صلى الله عليه وسلم كثيرا ولم أرهم يذمون المتكلف للبلاغة فقط بل كذلك يرون المتظرف والمتكلف للغناء ولا يكادون يضعون اسم المتكلف إلا في المواضع التي يذمونها قال قيس بن خطيم : فما المال والأخلاق إلا معارة * فما استطعت من معروفها فتزود واني لأغنى الناس عن متكلف * يرى الناس ضلالا وليس بمهتد وقال ابن قميئة :